سيد قطب
3833
في ظلال القرآن
وهذا الفرض - ولو أننا لا نعلق به النص القرآني - يوسع من حدود تصورنا نحن للنص والتاريخ الذي يشير إليه . تاريخ صب الماء صبا . وقد يصح هذا الفرض ؛ وقد تجدّ فروض أخرى عن أصل الماء في الأرض . ويبقى النص القرآني صالحا لأن يخاطب به كل الناس في كل بيئة وفي كل جيل . ذلك كان أول قصة الطعام : « أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا » . . ولا يزعم أحد أنه أنشأ هذا الماء في أي صورة من صوره ، وفي أي تاريخ لحدوثه ؛ ولا أنه صبه على الأرض صبا ، لتسير قصة الطعام في هذا الطريق ! « ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا » . . وهذه هي المرحلة التالية لصب الماء . وهي صالحة لأن يخاطب بها الإنسان البدائي الذي يرى الماء ينصب من السماء بقدرة غير قدرته ، وتدبير غير تدبيره . ثم يراه يشق الأرض ويتخلل تربتها . أو يرى النبت يشق تربة الأرض شقا بقدرة الخالق وينمو على وجهها ، ويمتد في الهواء فوقها . . وهو نحيل نحيل ، والأرض فوقه ثقيلة ثقيلة . ولكن اليد المدبرة تشق له الأرض شقا ، وتعينه على النفاذ فيها وهو ناحل لين لطيف . وهي معجزة يراها كل من يتأمل انبثاق النبتة من التربة ؛ ويحس من ورائه انطلاق القوة الخفية الكامنة في النبتة الرخية . فأما حين تتقدم معارف الإنسان فقد يعن له مدى آخر من التصور في هذا النص . وقد يكون شق الأرض لتصبح صالحة للنبات أقدم بكثير مما نتصور . إنه قد يكون ذلك التفتت في صخور القشرة الأرضية بسبب الفيضانات الهائلة التي يشير إليها الفرض العلمي السابق . وبسبب العوامل الجوية الكثيرة التي يفترض علماء اليوم أنها تعاونت لتفتيت الصخور الصلبة التي كانت تكسو وجه الأرض وتكون قشرتها ؛ حتى وجدت طبقة الطمي الصالحة للزرع . وكان هذا أثرا من آثار الماء تاليا في تاريخه لصب الماء صبا . مما يتسق أكثر مع هذا التتابع الذي تشير إليه النصوص . . وسواء كان هذا أم ذاك أم سواهما هو الذي حدث ، وهو الذي تشير إليه الآيتان السابقتان فقد كانت المرحلة الثالثة في القصة هي النبات بكل صنوفه وأنواعه . التي يذكر منها هنا أقربها للمخاطبين ، وأعمها في طعام الناس والحيوان : « فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا » . . وهو يشمل جميع الحبوب . ما يأكله الناس في أية صورة من صوره ، وما يتغذى به الحيوان في كل حالة من حالاته . « وَعِنَباً وَقَضْباً » . . والعنب معروف . والقضب هو كل ما يؤكل رطبا غضا من الخضر التي تقطع مرة بعد أخرى . . « وَزَيْتُوناً وَنَخْلًا . وَحَدائِقَ غُلْباً . وَفاكِهَةً وَأَبًّا » . . والزيتون والنخل معروفان لكل عربي ، والحدائق جمع حديقة ، وهي البساتين ذات الأشجار المثمرة المسورة بحوائط تحميها . و « غُلْباً » جمع غلباء . أي ضخمة عظيمة ملتفة الأشجار . والفاكهة من ثمار الحدائق و « الأب » أغلب الظن أنه الذي ترعاه الأنعام . وهو الذي سأل عنه عمر بن الخطاب ثم راجع نفسه فيه متلوّما ! كما سبق في الحديث عن سورة النازعات ! فلا نزيد نحن شيئا ! هذه هي قصة الطعام . كلها من إبداع اليد التي أبدعت الإنسان . وليس فيها للإنسان يد يدعيها ، في أية مرحلة من مراحلها . . حتى الحبوب والبذور التي قد يلقيها هو في الأرض . . إنه لم يبدعها ، ولم يبتدعها . والمعجزة في إنشائها ابتداء من وراء تصور الإنسان وإدراكه . والتربة واحدة بين يديه ، ولكن البذور والحبوب منوعة ، وكل منها يؤتي أكله في القطع المتجاورات من الأرض . وكلها تسقى بماء واحد ، ولكن اليد المبدعة تنوع النبات وتنوع الثمار ؛ وتحفظ في البذرة الصغيرة خصائص أمها التي ولدتها فتنقلها إلى بنتها التي تلدها . . كل أولئك في خفية عن الإنسان ! لا يعلم سرها ولا يقضي أمرها ، ولا يستشار في شأن من شؤونها . .